مصير الموظف العام بين المزاج العام وعدم التخطيط الإداري
تشخيص واقع الإدارة العامة
لا يخفى على أي سوري الفساد الإداري المتفشي ضمن هياكل الإدارات العامة.
الفساد لا يعني فقط المحسوبيات أو الرشاوي والوساطات، بل هو كل أثر سلبي تتسبب به الإدارات العامة نتيجة القرارات غير مدروسة النتيجة وغير المستندة على أسس علمية، نفذت بدون تقييم ومتابعة ومساءلة.
نجم عن ذلك سنوات وسنوات من الترهل الإداري، والبطانة المقنعة، وشبكات الفساد، وإهمال العنصر البشري وخاصة الشبابي، وعدم الاستثمار الأمثل للكفاءات.
لو أردنا تشخيص واقع العمل الحكومي، فلا يكاد يخلو هذا الهيكل من كل الأمراض الإدارية التي سمعت بها أو لم تسمع.
________________________________________
هل تغير المشهد بعد التغييرات الأخيرة؟
هذا ما كنا نصف به العمل الحكومي سابقاً، لكن مع تغيير كامل للإدارة العليا ضمن السلطة التنفيذية، وشبه كامل ضمن الإدارات الوسطى، وفصل وإنهاء الخدمة لعدد كبير من العاملين بالقطاع الحكومي... هل تغير واقع الحال اليوم؟
هل اتخاذ هذه القرارات حالياً قائم على أسس علمية ومنهجية واضحة، مستندة إلى تحليل بيانات ودراسة حالة ومراقبة؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يحتاج إجابة صريحة.
________________________________________
أثر القرار الكارثي يظهر فوراً حين يتعلق بلقمة العيش
أثر القرار الإداري الكارثي يمكن أن يأخذ سنوات حتى يظهر بشكل جلي، لكن حينما يتعلق الأمر بقوت عيش الموظف ومصدر دخله الوحيد على تواضعه، فإن الأثر يظهر بشكل مباشر.
تأثيره كالرصاص في ظل غلاء الأسعار والخدمات، وغياب حضور القطاع الخاص في استقطاب العمالة، وضعف تأمين تمويل لمشاريع صغيرة تنموية سواء من القطاع الحكومي أو منظمات المجتمع المدني، وغياب شبه كامل للرعاية الحكومية بالقطاع الزراعي البديل.
كل ذلك يضع الموظف أمام حالة عجز في توفير مصدر دخل، ويفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية.
________________________________________
هل هذا هو التصرف الإداري السليم؟
بعيداً عن الأثر الاقتصادي، هل هذا هو التصرف الإداري السليم للحالة السورية؟
الأمر لا يحتاج لإعادة اختراع العلم أو اختراع وصفة خاصة. الحالة السورية ليست بالخصوصية التي نظن، فما نعانيه يمكن وصفه بأنه "text book" أي نموذج مكرر في كتب الإدارة.
علينا أن ندرك أن المشكلات التي نواجهها لها حلول معروفة ومنهجية، جربت وطبقت في سياقات كثيرة.
________________________________________
العلاج يبدأ بإعادة الهيكلة
علينا بداية التخلص من الهياكل المترهلة عبر:
إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية ودمجها بعد تحليل العمليات التشغيلية.
إجراء دراسات لتحديد الاحتياجات الفعلية للقوى العاملة.
إعداد وصف وظيفي دقيق لكل مهنة.
وضع مؤشرات أداء لكل وظيفة.
تحديد الوظائف التي تفوق أو تقصر عن الحد الأدنى المطلوب.
الإلغاء التدريجي للوظائف غير الحيوية.
________________________________________
منهجية العمل المطلوبة
بعد جمع البيانات من الموظفين والمديرين والوثائق التنظيمية وتحليلها، تتم مقارنة الأداء عبر مؤشرات مثل:
الوقت اللازم لإتمام مهمة رئيسية
جودة الخدمات المقدمة
معدل الشكاوى
يتم ذلك عبر لجان مختصة حيادية، توضع خطة للتعامل مع الموظفين المتأثرين وفق القانون النافذ، وتنفذ الخطة تحت مظلة الشفافية التامة عبر توثيق المعايير والقرارات، وإشعار المعنيين بمسار التعديل أو الإلغاء ضمن إطار زمني محدد.
________________________________________
الحماية الاجتماعية أولاً
يجب أن تضمن الخطة الحماية الاجتماعية للموظفين المتأثرين عبر:
🔹 إعادة تأهيل الموظفين "الفائضين" وتدريبهم على مهارات جديدة.
🔹 إعادة توزيعهم على أقسام تعاني من نقص.
🔹 تقديم التعويض المناسب عند الحاجة.
🔹 التجميد المؤقت للتعيينات الحكومية لحين الانتهاء من مسح وإعادة توزيع العمالة الحالية.
التخلص من الترهل الإداري وفائض العمالة لا يحدث وفقاً لقرار شخصي وضمن قطاع واحد، بل هو سياسات حكومية مدروسة وموجهة ومتدرجة، منها ما هو موجه لداخل الجسم الحكومي، ومنها ما هو موجه لخارجه، وهذا مسار يطول الحديث عنه.
________________________________________
خاتمة: في حساسية المشهد السوري ومسؤولية إدارة الكفاءات
ما تمر به سوريا اليوم ليس مجرد مرحلة انتقالية عادية، بل لحظة مفصلية تتطلب وعياً استثنائياً بتركيبة المجتمع الهشة، وحساسية المشهد الإنساني والاجتماعي الذي يرزح تحت وطأة سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي. في هذا السياق، لا يمكن اختزال الإصلاح الإداري بمجرد قرارات فصل جماعي أو إنهاء خدمات تنفذ بشكل عشوائي، تحت وطأة "المزاج العام" أو ضغط اللحظة، دون أسس علمية أو دراسة متأنية للأثر القريب والبعيد.
الموظف العام، خاصة في بلد كسوريا، ليس مجرد رقم في كشف رواتب، بل هو جزء من نسيج مجتمعي مترابط، قد تؤدي أي هزة غير مدروسة في هذا النسيج إلى تمزيقه وزيادة الاحتقان الأهلي الذي لا نتحمل تبعاته. الفصل التعسفي القائم على أسس غير واضحة، أو على اجتهادات شخصية، لن يؤدي إلا إلى خلق جيوب جديدة من الغضب والإحباط، وتوسيع رقعة البطالة المقنعة إلى بطالة حقيقية تفتك بكرامة المواطن وتدفعه إلى هامش اليأس أو الصراع.